محمد بن جرير الطبري

11

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ألم تر إلى الميت كيف يحد بصره إليه فعرج بنا فيه حتى انتهينا إلى باب السماء الدنيا ، فاستفتح جبرائيل ، فقيل من هذا ؟ قال : جبرائيل ؟ قيل : ومن معك ؟ قال : محمد ، قيل : أو قد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، ففتحوا وسلموا علي ، وإذا ملك موكل يحرس السماء يقال له إسماعيل ، معه سبعون ألف ملك مع كل ملك منهم مئة ألف ، ثم قرأ : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وإذا أنا برجل كهيئته يوم خلقه الله لم يتغير منه شئ ، فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته ، فإذا كانت روح مؤمن ، قال : روح طيبه ، وريح طيبه ، اجعلوا كتابه في عليين ؛ وإذا كان روح كافر قال : روح خبيثة وريح خبيثة ، اجعلوا كتابه في سجيل ، فقلت : يا جبرائيل من هذا ؟ قال : أبوك آدم ، فسلم علي ورحب بي ودعا لي بخير وقال : مرحبا بالنبي الصالح والولد الصالح ، ثم نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل ، وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ، ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم ، قلت : يا جبرائيل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما . ثم نظرت فإذا أنا بقوم يحذى من جلودهم ويرد في أفواههم ، ثم يقال : كلوا كما أكلتم ، فإذا أكره ما خلق الله لهم ذلك ، قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هؤلاء الهمازون اللمازون الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم بالسب ؛ ثم نظرت فإذا أنا بقوم على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن ما رأيت من اللحم ، وإذا حولهم جيف ، فجعلوا يميلون على الجيف يأكلون منها ويدعون ذلك اللحم ، قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هؤلاء الزنا عمدوا إلى ما حرم الله عليهم ، وتركوا ما أحل الله لهم ؛ ثم نظرت فإذا أنا بقوم لهم بطون كأنها البيوت وهي على سابلة آل فرعون ، فإذا مر بهم آل فرعون ثاروا ، فيميل بأحدهم بطنه فيقع ، فيتوطئوهم آل فرعون بأرجلهم ، وهم يعرضون على النار غدوا وعشيا ؛ قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هؤلاء أكلة الربا ، ربا في بطونهم ، فمثلهم كمثل الذي يتخبطه الشيطان من المس ؛ ثم نظرت ، فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن ، ونساء منكسات بأرجلهن ، قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال : هن اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن قال : ثم صعدنا إلى السماء الثانية ، فإذا أنا بيوسف وحوله تبع من أحد ، ووجهه كالقمر لليلة البدر ، فسلم علي ورحب بي ، ثم مضينا إلى السماء الثالثة ، فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى ، يشبه أحدهما صاحبه ، ثيابهما وشعرهما ، فسلما علي ، ورحبا بي ؛ ثم مضينا إلى السماء الرابعة ، فإذا أنا بإدريس ، فسلم علي ورحب وقد قال الله : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ثم مضينا إلى السماء الخامسة ، فإذا أنا بهارون المحبب في قومه ، حوله تبع كثير من أمته " فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم : " طويل اللحية تكاد لحيته تمس سرته ، فسلم علي ورحب ؛ ثم مضينا إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران " فوصفه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " كثير الشعر لو كان عليه قميصان خرج شعره منهما ؛ قال موسى : تزعم الناس أني أكرم الخلق على الله ، فهذا أكرم على الله مني ، ولو كان وحده لم أكن أبالي ، ولكن كل نبي ومن تبعه من أمته ؛ ثم مضينا إلى السماء السابعة ، فإذا أنا بإبراهيم وهو جالس مسند ظهره إلى البيت المعمور فسلم علي وقال : مرحبا بالنبي الصالح والولد الصالح ، فقيل : هذا مكانك ومكان أمتك ، ثم تلا : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ثم دخلت البيت المعمور فصليت فيه ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إلى يوم القيامة ؛ ثم نظرت فإذا أنا بشجرة إن كانت الورقة منها لمغطية هذه الأمة ، فإذا في أصلها عين تجري قد تشعبت شعبتين ، فقلت : ما هذا يا جبرائيل ؟ قال : أما هذا : فهو نهر الرحمة ، وأما هذا : فهو الكوثر الذي أعطاكه الله ، فاغتسلت في نهر الرحمة فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ، ثم أخذت على الكوثر حتى دخلت